السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
99
مفاتيح الأصول
مقابلة لإلى فإنه يدل على الأول وكصحة جعل لفظ بعض موضعها فإنه يدلّ على الثاني قيل ولا يستقيم كونها للتبعيض إلَّا إذا كان المأخوذ أقلّ من النّصف وكأن يكون قبلها أو بعدها مبهم يصلح لأن يكون المجرور بها تفسيرا له ويحمل اسم ذلك المجرور عليه فإنه يدل على الثالث كما صرّح به نجم الأئمة قيل ويدل عليه صحة وضع الَّذي موضعها وذهب البيضاوي كما عن الرازي إلى أنّه حقيقة في الأخير وذهب بعض إلى أنها حقيقة في الابتداء مجاز في غيره ويظهر من الفيومي كونها حقيقة في الأولين لا غير ولعلّ القول الثاني لا يخلو عن قوة لأن التّبيين قدر مشترك بين المعنيين الآخرين والأصل في اللفظ المستعمل في المعنيين أن يكون مشتركا حقيقة في القدر المشترك بينهما فتأمل مفتاح اعلم أنّ لفظة إلى تستعمل في معان منها الانتهاء زمانا نحو صمت إلى اللَّيل ومكانا نحو سرت إلى الكوفة ومنها معنى مع كما قيل ومنها معنى في كما قيل ومنها معنى اللَّام كما قيل ومنها معنى عند كما قيل وعن الفراء أنها قد تكون زائدة ولا إشكال في كونها حقيقة في الأوّل وإنّما الإشكال في أصالة دلالتها على انتهاء الكيفية أو الكميّة والثمرة تظهر في نحو قوله اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق فعلى تقدير كون الأصل الدلالة على انتهاء الكيفية تكون الآية الشّريفة دالة على وجوب انتهاء الغسل عند المرافق فلا يجوز الابتداء به منها وعلى تقدير كون الأصل الدّلالة على انتهاء الكميّة تكون الآية الشريفة دالة على أن المغسول هو المسافة الكائنة بين الأصابع وبينها فيجوز دعوى جواز الابتداء بالغسل منها تمسّكا بإطلاق الآية الشريفة والحق عندي أن الأصل دلالتها على انتهاء الكيفية لوجوه الأوّل أن المتبادر منها عند الإطلاق ذلك ويشهد بذلك أنّه إذا أمر بغسل اليد إلى المرافق وابتدأ المأمور الغسل منها لم يعد ممتثلا قطعا وليس ذلك إلَّا لكون اللَّفظ موضوعا لما ذكرنا ومتبادرا منه ما إليه أشرنا الثاني أنّه لا شكّ في كون الغالب في استعمالها ذلك فيلحق محلّ الشكّ به الثالث أنها لو كانت لانتهاء الكمية لوجب إضمار ما يتعلَّق به لأنها من الحروف الجارة الَّتي تحتاج إلى المتعلَّق وليس في الكلام المذكور ما يصلح لتعلَّقها به فوجب الإضمار وهو خلاف الأصل ولا يلزم هذا على المختار لأنها تتعلَّق حينئذ بالفعل المذكورة قطعا ومما ذكرنا يندفع ما يظهر من جماعة من الأصحاب كالمحقق الثاني والسيوري وخالي المجلسي وغيرهم من كونها مجملة في الدلالة على أحد الأمرين لاستعمالها فيهما معا وينبغي التنبيه على أمور الأوّل هل يجوز على القول بالإجمال التّمسك بإطلاق اغسلوا في قوله تعالى اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق لإثبات جواز الابتداء بالغسل من المرافق أو لا فيه إشكال من أن الأصل بقاء الإطلاق على إطلاقه حتى يظهر المقيّد له ولم يظهر هنا لأن الفرض الإجمال ومن أن الإجمال في ذلك يستلزم الإجمال في الإطلاق فتأمل الثّاني إذا دار الأمر بين حملها على معنى مع وحملها على انتهاء الكمية فهل الأولى الأوّل أو الثاني فيه إشكال من دعوى جماعة من الأصحاب كالسّيد المرتضى والشّيخ وابن زهرة والشّهيد الثاني أن إتيانها بمعنى مع كثير الشّواهد والاستعمال بل ربّما يظهر من المرتضى أن حملها عليه أولى مطلقا معلَّلا بأنه أعمّ في الفائدة ومن تصريح الحاجبي بأن إتيانها بمعنى مع قليل بل يستفاد من كلام أنّه غير ثابت وأول الشّواهد الَّتي ذكروها بما يرجع إلى كونها للغاية فتأمل الثّالث إذا كانت إلى للغاية فهل هي تدخل في المغيا أو لا حكى التفتازاني عن أكثر النّحويين والشّهيد الثاني عن أكثر المحقّقين أنّ الأصل في الغاية خروجها عن المغيا وإليه ذهب نجم الأئمة وابن هشام واحتج عليه الثاني كما هو ظاهر الأوّل بأن الأكثر مع القرينة عدم الدخول فيجب الحمل عليه عند التردد ويدلّ عليه أيضا أنّ استعمالها فيما إذا أخرج حقيقة في الجملة والقول بالدّخول مطلقا شاذ لا يعرف قائله كما صرّح به التفتازاني في التلويح فيلزم أن يكون كذلك مطلقا وإلَّا لزم الاشتراك والمجاز أولى منه فتأمل وربّما استدل عليه باستلزام كونها للغاية المنصوص عليه من اللغة الخروج وفيه تأمل لأن الغاية كما تطلق على الطرف الخارج عن الشيء كذلك تطلق على الجزء الَّذي ينقطع الكلّ عنده وحكم العلامة كما عن الرازي بالدخول إذا لم يكن مفصل محسوس بين الغاية وذيها وعن المبرّد الحكم به إذا كانت من جنس ذيها وعن بعض الحكم به إذا لم يقابل بمن كأن يقال سرت إلى البصرة مفتاح اعلم أنّه قد تضمن كثير من عبائر القوم دعوى الإجماع على أن الفاء موضوعة للتعقيب بقول مطلق فقال شيخ الطَّائفة في التهذيب والخلاف لا خلاف أن الفاء يوجب التعقيب وقال المحقق في المعارج الفاء للتعقيب بإجماع أهل اللَّغة وقال العلامة في المنتهى والنهاية الفاء للتعقيب وأجمع عليه أهل العربية وقال السيّد عميد الدّين والدليل على أنّها موضوعة للتعقيب إجماع أهل اللَّغة وإجماعهم في ذلك وأمثاله حجّة وقال فخر الإسلام في شرح المبادي وذهب بعض من لا تحقيق له إلى أنّه ليس له لنا إجماع أهل اللغة وقال جدي الفاضل المازندراني الفاء للتعقيب بلا مهلة بإجماع النّحاة على ذلك وقال بعض أصحابنا والَّذي يدل على أن الفاء للتعقيب إجماع أهل اللَّغة وقال الرّازي لنا على أنّه للتعقيب إجماع أهل اللَّغة وقال البيضاوي والفاء للتعقيب إجماعا وقال العبري والدّليل على كونها لذلك إجماع النحاة على ذلك وقال الأصفهاني هذا ممّا أجمع الأدباء على نقله من أئمة اللغة